حسن الأمين

298

مستدركات أعيان الشيعة

عنيفا ، وكان مكاني من المعركة بالقرب من محطة الحجاز ، وكنا قد وصلنا إليه دون مقاومة تذكر ، وكانت قوة الجند تعسكر على جسر بردى الموصل بين آخر شارع الحجاز وأول الشارع الصاعد إلى طريق الصالحية ، وكانوا يقفون هناك متأهبين لصد المظاهرة الزاحفة منه لتصل إلى ( السراي ) المقيم فيها وزير الداخلية والجهاز الحكومي كله ، فإذا بهم يفاجئون بنا نزحف من محطة الحجاز هابطين للوصول إلى نفس الهدف . وكان سلاح المتظاهرين الحجارة التي تفرغ لتجميعها وإحضارها فريق من الفتيان لا تتعدى أعمار أكثرهم الرابعة عشرة فما دونها ، وكان يدهشنا ما نرى منهم ، ونتساءل كيف كان يتسنى لهم جمع ما يجمعون من الحجارة ، وكيف يتأتى لهم بعد جمعها نقلها وتوزيعها على الجبهات المتعددة . إنها دمشق . . . دمشق البطلة . . . دمشق التي لا يعرف حقائقها إلا من خبرها . . . دمشق التي أقضت مضاجع الفرنسيين على مدى وجودهم فيها . . لقد كنت من موقفي قرب محطة الحجاز أشاهد المعركة على الجبهة المقابلة ، فكانت مشاهد لا يمكن أن تنمحي من الذهن بسالة وتفننا وكرا وفرا ، كان المتظاهرون يكرون على الجند بالحجارة كرا عنيفا ، فإذا تقدم الجنود ممهدين لتقدمهم بإطلاق الرصاص ، انكفأ المتظاهرون غير منهزمين بل متغلغلين في الأزقة الجانبية المتفرعة من الشارع الكبير ، فيخلو هذا الشارع منهم تماما ، فلا يجد الجنود أمامهم من يقاتلونه فيعودون إلى موقعهم على شاطئ بردى ، فإذا رآهم المتظاهرون قد عادوا وتوقفوا عاودوا الكر عليهم بالحجارة ، فيعود الجنود إلى مهاجمتهم ، ويعودون هم إلى إخلاء الشارع والتغلغل في الأزقة الجانبية . أما عملنا نحن على الجبهة المقابلة فكنا إذا رأينا الجنود يتقدمون مهاجمين [ كرزنا ] كررنا نحن عليهم بالحجارة ، فإذا ارتدوا عن رفاقنا إلينا ارتددنا نحن إلى مواقعنا متباعدين عنهم إلى الشوارع الفرعية . وظل الأمر على هذه الحال كرا وفرا إلى أن رأينا من موقفنا منظرا عجبا ، ذلك أن ضابطا فرنسيا تقدم منفردا رافعا بيده اليمنى منديلا أبيض أخذ يلوح به ماشيا وحده صوب المتظاهرين الذين لم يتعرضوا له بسوء ، وتقدم بعضهم منه وبدا لنا أن الجميع يتحاورون ، ثم لم يلبث المتظاهرون أن توقفوا عن كل حركة فمشى الجنود منسحبين ، فلم ندر ما ذا جرى ويجري ، وأسرعنا بعد انسحاب الجنود إلى أصحابنا فعلمنا منهم أن الضابط أنباهم بأنه تلقى أوامر بوقف التعرض للمتظاهرين والانسحاب إلى الثكنات . ولم تلبث أن انتشرت التفاصيل ، فان المفوض الفرنسي ( بونسو ) المقيم في بيروت عندما بلغه نبا ما جرى في دمشق تملكه الهلع وأيقن أن ذلك مقدمة ثورة شاملة ، فأسرع في الحال إلى إعلان إيقاف عملية الانتخاب وإبطال ما جرى منها ، ولم يكن يوم ذاك إذاعة تنقل القرار ، فعلقت صور عنه على جدران الشوارع والأحياء وعرفه الناس جميعا ، فانقلبت المظاهرات الحربية إلى مهرجانات سرور وابتهاج ، وكان يوم من أيام دمشق المعدودة في تاريخها النضالي الباسل . ولا بد من الإشادة برجال الدرك السوريين الذين كانوا عندما يتلقون الأمر بالهجوم وإطلاق الرصاص ، كان رصاصهم ينطلق أكثر ما ينطلق في الهواء متظاهرين بتنفيذ الأوامر ، في حين أنهم كانوا يجنبون رصاصهم أجساد الناس ، لذلك لم تكثر الإصابات ، وكان عدد القتلى دون العشرة . وفي اليوم الثاني خرجت دمشق عن بكرة أبيها تشيع الشهداء إلى قبورهم ، وكان يسير في طليعة حاملي النعوش شيخ معمم بعمامة بيضاء يحمل على يديه جثة طفل يبدو أنه في حوالي الخامسة من سني حياته ، فكان منظره يستنزف الدموع من عيون المشاهدين ويثير عظيم النقمة على الفرنسيين الذين قتلوا فيمن قتلوا : الأطفال . ثم تبين لنا بعد ذلك أن هذا الطفل كان قد مات في المستشفى موتا طبيعيا ، وأن هذا الشيخ قد تعمد إثارة النفوس على الفرنسيين فأخرج جثة الطفل مع نعوش القتلى فكان له ما أراد . وكنت في ذلك الحين أنظم الشعر بين آونة وأخرى فاوحت لي معركة الانتخابات بقصيدة ضاع أكثرها ولم يبق في ذاكرتي منها إلا هذه الأبيات : بذلوا ليوم الانتخاب جهودا ضمنوا لأنفسهم بها التأييدا وعدوا فما حفظوا الوعود ولا رعوا فينا بيوم الانتخاب عهودا قد أوقدوها فتنة نارية كانوا لها عند اللقاء وقودا ومنها : باتوا سرورا ناعمين بليلهم ودمشق باتت تشتكي التهيدا ترنو مفجعة إلى فتيانها تستنجد الشم الاباة الصيدا فتدافعوا متواثبين وأقبلوا متسارعين إلى المنون ورودا لله يومهم غداة تقدموا تتلو الوفود إلى النزال وفودا من كل أعزل يتقي ببنانه وبصدره يستقبل البارودا يرمي الحجارة صارخا بجموعهم فيرد جمعهم النظيم بديدا ولرب طاوية على أشجانها وارت يداها في التراب وحيدا دفعت بفلذتها لمعترك اللظى وأبت عليه أن يعود طريدا أبني دافع عن بلادك أنه ليقر عيني أن أراك شهيدا أحمل على النيران حملة ضيغم واستقبل الخصم الشديد شديدا وقد أسفت لضياع معظم أبيات القصيدة ، وأنه لم يبق في ذاكرتي منها إلا هذه الأبيات ، فالمناسبة التي نظمت فيها القصيدة من أغلى المناسبات في حياتي . نتائج الانتخابات أعلنت نتائج الانتخابات في بقية المناطق السورية فإذا بمرشحي الفرنسيين يفوزون في كل مكان ما عدا أفرادا محدودين استطاعوا التغلب على التزوير . يفوزون حتى في حلب قلعة إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي ، واستطاع الفرنسيون أن يسقطوا قائمتهم وينجحوا قائمة العملاء وعلى رأسها صبحي بركات . فلم يتصد الشعب في حلب بمثل ما تصدى في دمشق ، فلم تقم في الأولى ثورة عارمة كما قامت في الثانية ، واقتصر الأمر فيها على الغضب ،